ابن قيم الجوزية
112
البدائع في علوم القرآن
وقد قالت طائفة : إن هذا الإذن كان بمكة ، والسورة مكية « 1 » . وهذا غلط لوجوه : أحدها : أن اللّه لم يأذن بمكة لهم في القتال ، ولا كان لهم شوكة يتمكنون بها من القتال بمكة . الثاني : أن سياق الآية يدل على أن الإذن بعد الهجرة ، وإخراجهم من ديارهم ، فإنه قال : الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ [ الحج : 40 ] ، وهؤلاء هم المهاجرون . الثالث : قوله تعالى : هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ [ الحج : 19 ] . نزلت في الذين تبارزوا يوم بدر من الفريقين . الرابع : أنه قد خاطبهم في آخرها بقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ، والخطاب بذلك كله مدني ، فأما الخطاب : يا أَيُّهَا النَّاسُ فمشترك . الخامس : أنه أمر فيها بالجهاد الذي يعم الجهاد باليد ، وغيره . ولا ريب أن الأمر بالجهاد المطلق إنما كان بعد الهجرة ، فأما جهاد الحجة ، فأمر به في مكة بقوله : فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ أي : بالقرآن جِهاداً كَبِيراً [ الفرقان : 52 ] ، فهذه سورة مكية ، والجهاد فيها هو التبليغ ، وجهاد الحجة ، وأما الجهاد المأمور به في سورة الحج فيدخل فيه الجهاد بالسيف . السادس : أن الحاكم روى في « مستدركه » « 2 » من حديث الأعمش ، عن مسلم البطين ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : لما خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من مكة ، قال أبو بكر : أخرجوا نبيهم ، إنا للّه وإنا إليه راجعون ، ليهلكن ، فأنزل اللّه عز وجل : أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا [ الحج : 39 ] ، وهي أول آية نزلت في القتال . وإسناده على شرط « الصحيحين » ، وسياق السورة يدل على أن فيها المكي والمدني ، فإن قصة إلقاء الشيطان في أمنية الرسول مكية ، واللّه أعلم « 3 » .
--> ( 1 ) قال القرطبي رحمه اللّه تعالى : « وهي مكية سوى ثلاث آيات : من قوله تعالى : هذانِ خَصْمانِ إلى تمام ثلاث آيات [ الحج 19 - 21 ] ، قاله ابن عباس ومجاهد . وعن ابن عباس أيضا أنهن أربع آيات ، إلى قوله تعالى : عَذابَ الْحَرِيقِ [ الحج 24 ] . وقال ابن عباس والضحاك أيضا هي مدنية - وقاله قتادة أيضا - إلا أربع آيات : وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إلى قوله : عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ فهن مكيات . وعد النقاش ما نزل بالمدينة عشر آيات وقال الجمهور السورة مختلطة ، منها مكي ومنها مدني وهذا هو الأرجح ؛ لأن الآيات تقتضي ذلك ، لأن يا أَيُّهَا النَّاسُ مكية ، و يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مدنية . أ . ه . تفسير القرطبي ( 5 / 4393 ) . انظر كتابي : بدائع التفسير ( 3 / 211 ) . ( 2 ) الحاكم في المستدرك ( 3 / 7 ) ، وقال : « صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه » . ( 3 ) زاد المعاد ( 1 / 70 ، 71 ) .